محمود حمدي زقزوق

32

موسوعة التصوف الاسلامي

وردى صاحب عوارف المعارف ( 632 ه ) : " هم أهل القرب والاجتباء ، ألبسهم اللّه تعالى ملابس العرفان ، وخصهم بين عباده بخصائص الإحسان ، فصارت ضمائرهم من مواهب الأنس مملوّة ، ومرائي قلوبهم بنور القدس مجلوة ، فتهيأت لقبول الأمداد القدسية ، واستعدت لورود الأنوار العلوية ، أجساد أرضية بقلوب سماوية ، وأشباح فرشية أرضية بأرواح عرشية ، نفوسهم في منازل الخدمة سيارة ، وأرواحهم في فضاء القرب طيارة . تسلّوا بالصلوات عن الشهوات ، وتعوضوا بحلاوة التلاوة عن اللذات ، يلوح من صفحات وجوههم بشر الوجدان ، وينم عن مكنون سرائرهم نضارة العرفان . . . أوفر الناس حظا في الاقتداء برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأحقهم بإحياء سنته ، والتخلق بأخلاقه ، علومهم علوم الوراثة فهم مع سائر العلماء في علومهم ، ثم تميزوا عنهم بما من اللّه تعالى عليهم من العلم الذي هو ثمرة الاتباع والتقوى " 2 . وعلى نفس المنوال ينسج الكلاباذي ( 380 ه ) واصفا إياهم بما يذكره عنهم : قوم همومهم باللّه قد علقت * فما لهم همم تسمو إلى أحد فمطلب القوم مولاهم وسيدهم * يا حسن مطلبهم للواحد الصمد ما إن تنازعهم دنيا ولا شرف * من المطاعم واللذات والولد ولا للبس ثياب فائق أنق * ولا لروح سرور حل في بلد 3 وتتردد تلك النغمة الحارة في الإشادة بالصوفية في مقدمات كتب الصوفية وفي أثنائها وفي الحديث عن شيوخهم وأعلامهم . ومن أمثلة ذلك ما كتبه القشيري ( 465 ه ) في مقدمة رسالته حيث يصف الصوفية بأنهم صفوة الأولياء ، وأفضل الخلق بعد الأنبياء ؛ ولذلك جعل اللّه قلوبهم معادن أسراره واختصهم من بين الأمة بطوالع أنواره 4 . ولم ينفرد الصوفية بهذا الإعجاب بالتصوف ، بل إن التصوف كان قادرا على أن يضم إلى رحابه أناسا لم يكونوا في مبدأ أمرهم من الصوفية ، بل رسخت مكانتهم وشاعت شهرتهم في ميادين أخرى من ميادين الثقافة الإسلامية وعلى رأس هؤلاء . وفي الطليعة منهم يأتي الإمام أبو حامد الغزالي ( 505 ه ) الذي كان من أكبر علماء الشافعية في الفقه والأصول ، ومن أبرز الأشاعرة في مجال علم الكلام والعقيدة ، ومن أشهر الذين تصدوا للفلسفة بعد أن قرأ كتبها وعرف